أنا رجل أعمال ستيني. وكلمة «ستيني»
هنا ليست اعترافًا بالهزيمة، لكنها إقرار بأن الإنسان بعد الستين يصبح من الصعب
إقناعه بتغيير نوع القهوة التي يشربها، أو نوع الحذاء الذي يرتديه، أو حتى الطريق
الذي يسلكه إلى بيته!
كنت مسافرًا، وكان يرافقني أولادي، وهم
شباب في أوائل الثلاثينات. وفي الطريق قررنا التوقف لتناول بعض المشروبات. وجدنا
أمامنا أحد فروع محل القهوة العالمي الشهير، وبجواره محل مصري يحمل اسم «Breadfast». وبحكم السن والخبرة والعادة، توجهت
فورًا إلى محل القهوة العالمي.
فنادى عليّ الأولاد: — لا يا بابا…
لازم تجرب
«Breadfast». نظرت إليهم نظرة الرجل الستيني الذي
يعتقد أن أبناءه ما زالوا أطفالًا لا يعرفون الفرق بين القهوة والمياه الغازية،
وقلت لهم:
— ماشي… نجرب.
دخلت معهم، وفوجئت أن الأولاد يعرفون
المكان، ويحفظون المنتجات، ويعرفون ماذا يطلبون. والأغرب أن أحفادي أيضًا كانوا
يعرفون الأصناف، وكل طفل منهم يطلب وكأنه عضو في مجلس إدارة الشركة!
واحد يريد مشروبًا معينًا، والثاني
يطلب نوعًا من المخبوزات، والثالث يعدّل في الطلب بمنتهى الثقة، وأنا واقف بينهم
أحاول أن أفهم متى تحولت الأسرة كلها إلى خبراء في «Breadfast» من دون علمي!
نظرت حولي، فوجدت تنوعًا كبيرًا في
المعروض، وتنظيمًا واضحًا، ومنتجات تخاطب أذواقًا وأعمارًا مختلفة. لكن أكثر ما لفت نظري لم يكن القهوة
ولا المخبوزات
كان الشباب.
المحل كان ممتلئًا بالشباب، ومن طريقة
طلباتهم بدا أنهم ليسوا زبائن عابرين، بل زبائن دائمون يعرفون المنتجات، ويعرفون
ما يريدون، وربما يعرفون مواعيد تغيير «الشيفتات» أيضًا!
ثم لاحظت شيئًا آخر.
العاملون لديهم ابتسامة محببة.
ليست الابتسامة الرسمية التي يتدرب
عليها الموظف في أول يوم عمل، ثم تختفي في اليوم الثاني. لكنها ابتسامة طبيعية
تشعرك بأن الشخص الذي أمامك سعيد بخدمتك، أو على الأقل لم يندم بعد على حضوره إلى
العمل!
انتظرت طلبي. إستغرق نحو ست دقائق، وربما أقل. قلت في نفسي: المهم أن تكون القهوة تستحق الانتظار.
وشربت القهوة. وفوجئت فعلًا بطعم جميل، ومذاق راقٍ، وعبوة محكمة، وجودة لا تقل عن أشهر العلامات العالمية، بل ربما تتفوق عليها.
هنا بدأت أستمع باهتمام إلى الأولاد.
قالوا لي إن هذا البراند أسسه شاب قريب
من أعمارهم، وإن الفكرة بدأت بتوزيع الخبز في منطقة السادس من أكتوبر، ثم تطورت
وتوسعت حتى وصلت إلى ما أراه أمامي.
صراحةً، فرحت. فرحت بالفكرة، وفرحت بالشباب الذين صنعوها، وفرحت أكثر لأن أولادي يعرفونها ويفتخرون بها. ومنذ ذلك اليوم، أصبحت من زبائن المكان.
نعم، أنا الرجل الستيني الذي كان
متجهًا إلى محل القهوة العالمي، أصبحت أبحث عن المحل المصري.
وبعد فترة، كنت في الساحل الشمالي، وفوجئت بافتتاح فرع بجوار محل إقامتي. توجهت إليه، وهذه المرة لم أكن زبونًا فقط، بل رجل أعمال يقوم بعملية تفتيش مفاجئة من دون تكليف من أحد!
بدأت أقارن بين فرع الساحل والفرع الذي زرته من قبل. هل الخدمة واحدة؟ هل الابتسامة موجودة؟ هل الجودة ثابتة؟ هل النجاح كان صدفة أم نظامًا؟ وجدت الابتسامة نفسها، والردود الجذابة نفسها، والاهتمام نفسه. وقلت لنفسي: دعنا نرى كم سيستغرق الطلب هذه المرة. استلمت طلبي خلال دقيقتين. دقيقتين فقط!
وهنا لم أعد سعيدًا بالقهوة وحدها، بل
أصبحت سعيدًا بالفكرة كلها.
سعيدًا بشباب مصري استطاع أن يصنع
«حالة» في السوق، وأن يجعل أبناء الثلاثينات وأطفالهم يعرفون المنتج، ويحبونه،
ويعودون إليه، ثم ينجح في جذب رجل ستيني مثلي كان يظن أن العلامة الأجنبية هي
الاختيار الطبيعي والمضمون.
نحن دائمًا عندما نقول «صنع في مصر» نفكر في المصانع، والآلات، وخطوط الإنتاج. لكن «صنع في مصر» ليست فقط قطعة غيار أو جهازًا كهربائيًا أو منتجًا يخرج من مصنع. صنع في مصر قد تكون فكرة. قد تكون خدمة . قد تكون ابتسامة. قد تكون تطبيقًا. قد تكون كوب قهوة. وقد تكون مجموعة من الشباب قرروا ألا يقلدوا العالم، بل أن ينافسوه.
«صنع في مصر» ليست جملة تُكتب على العبوة.إنها عقل يفكر، ويد تعمل، وابتسامة تستقبل الناس، وجودة تجعلهم يعودون مرة أخرى.أما أنا، فقد تعلمت درسًا مهمًا: عندما يقول لك أولادك: «لازم تجرب»…
جرّب.
فقد تكتشف أن الشباب يعرفون أحيانًا أكثر مما نتصور…وأن أفضل قهوة في الطريق قد تكون في المحل الذي لم تكن تنوي دخوله!
