صنع في مصر بقلم المهندس مدحت القاضي رئيس جمعية رجال اعمال اسكندرية

 

 


المهندس مدحت القاضي

المهندس مدحت القاضي


أنا رجل أعمال ستيني. وكلمة «ستيني» هنا ليست اعترافًا بالهزيمة، لكنها إقرار بأن الإنسان بعد الستين يصبح من الصعب إقناعه بتغيير نوع القهوة التي يشربها، أو نوع الحذاء الذي يرتديه، أو حتى الطريق الذي يسلكه إلى بيته!

كنت مسافرًا، وكان يرافقني أولادي، وهم شباب في أوائل الثلاثينات. وفي الطريق قررنا التوقف لتناول بعض المشروبات. وجدنا أمامنا أحد فروع محل القهوة العالمي الشهير، وبجواره محل مصري يحمل اسم «Breadfast».  وبحكم السن والخبرة والعادة، توجهت فورًا إلى محل القهوة العالمي.

فنادى عليّ الأولاد: — لا يا بابا… لازم تجرب «Breadfast».  نظرت إليهم نظرة الرجل الستيني الذي يعتقد أن أبناءه ما زالوا أطفالًا لا يعرفون الفرق بين القهوة والمياه الغازية، وقلت لهم:

ماشي… نجرب.

دخلت معهم، وفوجئت أن الأولاد يعرفون المكان، ويحفظون المنتجات، ويعرفون ماذا يطلبون. والأغرب أن أحفادي أيضًا كانوا يعرفون الأصناف، وكل طفل منهم يطلب وكأنه عضو في مجلس إدارة الشركة!

واحد يريد مشروبًا معينًا، والثاني يطلب نوعًا من المخبوزات، والثالث يعدّل في الطلب بمنتهى الثقة، وأنا واقف بينهم أحاول أن أفهم متى تحولت الأسرة كلها إلى خبراء في «Breadfast» من دون علمي!

نظرت حولي، فوجدت تنوعًا كبيرًا في المعروض، وتنظيمًا واضحًا، ومنتجات تخاطب أذواقًا وأعمارًا مختلفة. لكن أكثر ما لفت نظري لم يكن القهوة ولا المخبوزات

كان الشباب.

المحل كان ممتلئًا بالشباب، ومن طريقة طلباتهم بدا أنهم ليسوا زبائن عابرين، بل زبائن دائمون يعرفون المنتجات، ويعرفون ما يريدون، وربما يعرفون مواعيد تغيير «الشيفتات» أيضًا!

ثم لاحظت شيئًا آخر.

العاملون لديهم ابتسامة محببة.

ليست الابتسامة الرسمية التي يتدرب عليها الموظف في أول يوم عمل، ثم تختفي في اليوم الثاني. لكنها ابتسامة طبيعية تشعرك بأن الشخص الذي أمامك سعيد بخدمتك، أو على الأقل لم يندم بعد على حضوره إلى العمل!

انتظرت طلبي. إستغرق نحو ست دقائق، وربما أقلقلت في نفسي: المهم أن تكون القهوة تستحق الانتظار.

وشربت القهوةوفوجئت فعلًا بطعم جميل، ومذاق راقٍ، وعبوة محكمة، وجودة لا تقل عن أشهر العلامات العالمية، بل ربما تتفوق عليها.

هنا بدأت أستمع باهتمام إلى الأولاد.

قالوا لي إن هذا البراند أسسه شاب قريب من أعمارهم، وإن الفكرة بدأت بتوزيع الخبز في منطقة السادس من أكتوبر، ثم تطورت وتوسعت حتى وصلت إلى ما أراه أمامي.

صراحةً، فرحتفرحت بالفكرة، وفرحت بالشباب الذين صنعوها، وفرحت أكثر لأن أولادي يعرفونها ويفتخرون بهاومنذ ذلك اليوم، أصبحت من زبائن المكان.

نعم، أنا الرجل الستيني الذي كان متجهًا إلى محل القهوة العالمي، أصبحت أبحث عن المحل المصري.

وبعد فترة، كنت في الساحل الشمالي، وفوجئت بافتتاح فرع بجوار محل إقامتيتوجهت إليه، وهذه المرة لم أكن زبونًا فقط، بل رجل أعمال يقوم بعملية تفتيش مفاجئة من دون تكليف من أحد!

بدأت أقارن بين فرع الساحل والفرع الذي زرته من قبلهل الخدمة واحدة؟ هل الابتسامة موجودة؟ هل الجودة ثابتة؟ هل النجاح كان صدفة أم نظامًا؟ وجدت الابتسامة نفسها، والردود الجذابة نفسها، والاهتمام نفسهوقلت لنفسي: دعنا نرى كم سيستغرق الطلب هذه المرةاستلمت طلبي خلال دقيقتيندقيقتين فقط!

وهنا لم أعد سعيدًا بالقهوة وحدها، بل أصبحت سعيدًا بالفكرة كلها.

سعيدًا بشباب مصري استطاع أن يصنع «حالة» في السوق، وأن يجعل أبناء الثلاثينات وأطفالهم يعرفون المنتج، ويحبونه، ويعودون إليه، ثم ينجح في جذب رجل ستيني مثلي كان يظن أن العلامة الأجنبية هي الاختيار الطبيعي والمضمون.

نحن دائمًا عندما نقول «صنع في مصر» نفكر في المصانع، والآلات، وخطوط الإنتاجلكن «صنع في مصر» ليست فقط قطعة غيار أو جهازًا كهربائيًا أو منتجًا يخرج من مصنعصنع في مصر قد تكون فكرةقد تكون خدمة . قد تكون ابتسامةقد تكون تطبيقًاقد تكون كوب قهوةوقد تكون مجموعة من الشباب قرروا ألا يقلدوا العالم، بل أن ينافسوه.

 نحن في حاجة إلى أن نشجع هؤلاء الشباب، لا لأنهم مصريون فقط، ولكن لأنهم يقدمون منتجًا جيدًا ويستحقون النجاحفالوطنية ليست أن تشتري المنتج المصري وتغمض عينيك عن عيوبه.الوطنية الحقيقية أن يصنع المصري منتجًا يجعلك تفتح عينيك من الدهشة، ثم تفتح محفظتك وأنت سعيد!

 وأنا اليوم لا أكتب إعلانًا لمحلأنا أكتب إعلانًا عن جيلجيل لا ينتظر الوظيفة، بل يصنعهالا يكتفي بأن يكون زبونًا للعلامات العالمية، بل يبني علامة مصرية تنافسها.

 جيل يجعلني، وأنا الرجل الستيني، أطمئن أن مصر ما زالت قادرة على صناعة النجاح.

 وأقولها بكل فخر:

«صنع في مصر» ليست جملة تُكتب على العبوة.إنها عقل يفكر، ويد تعمل، وابتسامة تستقبل الناس، وجودة تجعلهم يعودون مرة أخرى.أما أنا، فقد تعلمت درسًا مهمًاعندما يقول لك أولادك: «لازم تجرب»…

جرّب.

فقد تكتشف أن الشباب يعرفون أحيانًا أكثر مما نتصوروأن أفضل قهوة في الطريق قد تكون في المحل الذي لم تكن تنوي دخوله!


إرسال تعليق

أحدث أقدم